نذير حمدان
217
حكمة القرآن والحضارة
بمخلوقية الكون وتسخيره لمنفعة الإنسان المخلوق أيضا والإفادة من طاقاته الظاهرة والباطنة والخاضع لشهادة المسلمين ، فهم أدنى صلة بالكونية والإنسانية لأنهم يدركون من كتابهم المقدس ومن كتاب الآيات الكونية أنهما وسيلتهم للعلم التجريبي ومصدر لنعمة اللّه وشكره ، فهم الأصدق بالشهادة والأليق بها لأن ظلال العدالة ينبغي أن يرفّ على الجميع . والمسلمون بشهادتهم على الأمم عبر التاريخ قادرون على تمييز الأمة بانية الحضارة والأمة المهدمة لها مثل قدرتهم على أخذ العبرة والعظة من الأمتين فهي شهادة الحق عبر الزمان السحيق . وهي شهادة حقّة عبر المكان الفسيح والواقع الذي يشمل الأرض على رحابتها فيقتبس من خيرها الحكمة لأنهم أجدر بها . والمسلمون يلتزمون بالشرعية التي تضع الحقوق في نصابها ، والكونية في مجالاتها ، وتحفظ العلاقات السوية بين الأفراد والمجتمعات ، وتخاطب العالم بلغة التشريع الحكيم وليس بلغة القوة الطاغية ، وبالأنظمة الرائدة وليس بالتعسف والطغيان ، والمسلمون إذ يقدّرون أهمية الشهادة في ترسيخ الحق والشرعية يفكرون ما يفكرون ويعملون ما يعملون في إطار المسؤولية التي تتعاظم في نفوسهم وقتا بعد وقت وحالا بعد حال ، وهم في كل وقت وحال يقدرون عظم التبعات الملقاة عليهم ويتحرجون في أن يتزيدوا فيها لحسابهم وأن يستكثروا منها على حساب الآخرين ، والمسلمون بواقع تاريخهم وعالمهم وتصوراتهم أجدر بقيادة العالم المتناثر في أطراف المعمورة والذي يحمل شعارات تطبق أحيانا لمصلحة دولة قوية أولا لتقوم بوزن الأمور بموازين مختلفة فمرة بميزانين ومرة بأكثر . إن شهادة دولة أو دول ، مهما بلغت قوية عملاقة على سائر الدول مطعون بها لأنها إذ لا تحمل الحق ولا الحقيقة ولا الشرعية ولا المسؤولية فإنها تتربع على قيادة العالم بالسلطان العسكري والمالي والتقني المادي ، ومهما انفردت دولة أو جماعة من الدول بقطبية هذه الشهادة لتدفعها أن تنظر إلى الحق بمنظارها وتعمل بالحقيقة لصالحها وتتحمل في ذلك ( مسؤوليات ) مكشوفة فإن هذا يزيدها استعلاء وتماديا لا من أجل أنها تجذب إلى قطبيها دول صغرى وحده وإنما من أجل تزييف الحق والحقيقة وتسخيرهما وفق المصالح والأهواء .